السيد هادي الخسروشاهي
140
قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة
عن الخوض فيه من البحوث العقيمة ، والمسائل التي لا تتّصل بها فوائد علمية ، وساعد على اتّساع دائرة هذا الجدل امتزاج الثقافات المختلفة والعلوم الجديدة التي جاءتهم من الأمم الأخرى حين دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً من كلّ جنس ولون ، حاملين معهم قضايا تفكيرهم وأساليب منطقهم وجدالهم . ولم تقف الخلافات والآراء عند دائرة المعارف الفكرية الكلامية ، بل شملت الفقه والأحكام التشريعية المستنبطة ، غير أنّها لم تكن في هذه الناحية الأخيرة عنيفة ولا مشتطّة ، وإنّما كانت تجري في هدوء وسكينة ووقار ، لا يسيطر عليها إلّاالعلم والحجّة والبرهان ، وذلك في عهد الأئمة المجتهدين ، ومن بعدهم من تلاميذهم الذين أشربوا مبادئهم ، وساروا على سنّتهم ، فلم نعرف أنّ أحداً منهم رمى غيره بالخروج على الشريعة ، أو المروق من الدين لخلافٍ بينه وبينه ، ولم نعرف أحداً زعم لنفسه أنّه هو وحده صاحب الرأي المقدس في الشريعة ، أو فكّر في حمل الناس على ما يراه ، بل كلّهم ورد عنه ما يدلّ على أنّه مجتهد قد أتى بما وسعه أن يأتي به ، ويحتمل أن يكون مصيباً وأن يكون مخطئاً ، وأنّ العمدة في ذلك كتاب اللَّه وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وما ارتضاه المسلمون من قواعد الشريعة وأصولها العامة ، وها هو ذا مالك ( رض ) يصرف أبا جعفر المنصور عمّا همّ به من حمل الناس على « الموطّأ » ذاكراً له أن أصحاب رسول اللَّه ( ص ) قد تفرّقوا في الأمصار ، وعند كلٍّ منهم علم ، وليس من الرأي أن يحمل الناس على كتابٍ ما إلّا كتاب اللَّه . هكذا كانت ريح الفقه تجري رخاء ، ولذلك نما وزكا ، وأينعت ثمراته ودنت قطوفه ، ووفى أعظم التوفية بحاجات المسلمين ، أمةً ودولةً وأفراداً ، وحفظ به التاريخ أعظم تراث فكري في الأحكام التشريعية والمبادئ الإصلاحية التي تقوم عليها الأمم . ولذلك أيضاً استطاع الفقه الإسلامي أن يقف عالي الرأس عزيزاً كريماً ، فلم يعزّه